الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
201
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخطاب في أَلَّا تَعْبُدُوا وضمائر الخطاب التي بعده موجهة إلى الذين لم يؤمنوا وهم كل من يسمع هذا الكلام المأمور بإبلاغه إليهم . وجملة : إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ معترضة بين جملة أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [ هود : 1 ] وجملة وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [ هود : 3 ] الآية ، وهو اعتراض للتحذير من مخالفة النهي والتحريض على امتثاله . ووقوع هذا الاعتراض عقب الجملة الأولى التي هي من الآيات المحكمات إشعار بأن مضمونه من الآيات المحكمات وإن لم تكن الجملة تفسيرية وذلك لأن شأن الاعتراض أن يكون مناسبا لما وقع بعده وناشئا منه فإن مضمون البشير والنذير هو جامع عمل الرسول صلى اللّه عليه وسلم في رسالته فهو بشير لمن آمن وأطاع ، ونذير لمن أعرض وعصى ، وذلك أيضا جامع للأصول المتعلقة بالرسالة وأحوال الرسل وما أخبروا به من الغيب فاندرج في ذلك العقائد السمعية ، وهذا عين الإحكام . و ( من ) في قوله : إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ ابتدائية ، أي أني نذير وبشير لكم جائيا من عند اللّه . والجمع بين النذارة والبشارة لمقابلة ما تضمنته الجملة الأولى من طلب ترك عبادة غير اللّه بطريق النهي وطلب عبادة اللّه بطريق الاستثناء ، فالنذارة ترجع إلى الجزء الأول ، والبشارة ترجع إلى الجزء الثاني . [ 3 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 3 ] وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ( 3 ) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ عطف على جملة أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [ هود : 2 ] وهو تفسير ثان يرجع إلى ما في الجملة الأولى من لفظ التفصيل ، فهذا ابتداء التفصيل لأنه بيان وإرشاد لوسائل نبذ عبادة ما عدا اللّه تعالى ، ودلائل على ذلك وأمثال ونذر ، فالمقصود : تقسيم التفسير وهو وجه إعادة حرف التفسير في هذه الجملة وعدم الاكتفاء بالذي في الجملة المعطوف عليها . والاستغفار : طلب المغفرة ، أي طلب عدم المؤاخذة بذنب مضى ، وذلك الندم .